المقالات

حين كثرت الليالي .. وقلّت البركة

✍🏻 أ. شار إبراهيم ال عمر

 

الزواج ستر. كلمة واحدة تعني بيت، وأمان، ومودة. لكننا حوّلناه من ستر إلى عرض مسرحي طويل. صارت لياليه تُعدّ، وسهراته تطول، ومهوره تثقل، وتكلفته تحرق القلوب
كان الزواج ليلة واحدة، يجتمع فيها الأهل على صحن واحد ودعوة واحدة. اليوم فتحنا باباً لا يُقفل: ليلة للخطبة، وليلة للشبكة، وليلة للحناء، وليلة للزفاف، وليلة للصديقات، وليلة للصباحية. كل ليلة لها فستان، ولها كوشة، ولها تصوير، ولها فاتورة.
تحوّل الفرح إلى مواسم. والناس صارت تحضر وهي مرهقة. الضيف يلبس ويطلع ويصور ويرجع، لكنه ما عاد يحس بالفرحة. كثرة الليالي قتلت هيبة الليلة. صار الزواج مثل المسلسل، كل يوم حلقة، وفي النهاية الكل ينتظر متى يخلص.
السهر في الزواج كان يعني سمراً نظيفاً. قصيد، وضحك، ودعاء للعروسين. سهر اليوم مختلف. العريس يسهر يحسب ويجمع ويطرح. يفكر في القرض اللي وقّعه، وفي الأقساط اللي تنتظره أول الشهر. ينام وجدول السداد فوق رأسه.
والأب يسهر مهموم. كيف يرضي الناس؟ كيف يرد على من يقول “فلان سوّى كذا وأنتم أقل منه؟”. والأم تسهر تقلب في صور الزواجات القبيلة، تقارن وتتحسر.
صرنا نفرح في النهار ونسهر على الهم في الليل. وهذا ليس فرحاً، هذا غبن مغلف بزينة.
المهر في أصله هدية. علامة رضا وتكريم. اليوم صار رقماً يُتلى على الملأ، وشرطاً يُكتب في العقود، وسيفاً على رقبة الشاب. صار مقياس البنت بمهرها، لا بدينها وعقلها. وصار الشاب يُقاس بما دفع، لا بما يحمل من خُلق.
المشكلة أن المهر الغالي لا يشتري سعادة البيوت التي بُنيت على مبالغ طائلة تهدمها كلمة واحدة. لأننا بنينا الجدار ونسيتنا نزرع الود. والغريب أننا نعيب على من يسّر، ونمدح من عسّر. قلبنا الموازين.
كل هذه الليالي والسهر والمهور تجتمع في كلمة واحدة: تكلفة. والتكلفة اليوم لا يدفعها العريس وحده. يدفعها الأب الذي يستدين، والأم التي تبيع ذهبها، والأخ الذي يؤجل زواجه، والمدعو الذي يعتذر لأن جيبه لا يحتمل.
صار الزواج مشروع خسارة. الشاب يبدأ حياته مديون، والبنت تدخل بيتها وهي تعرف أن زوجها محمّل بالهم. فكيف تستقيم العشرة؟ كيف يأتي الهناء؟
والأخطر من المال هو ما خسرناه من قيم: التكافل مات، والفزعة انقرضت، والحياء قل. صار الواحد يخاف من الزواج لأنه يخاف من الفاتورة
لا أحد يطلب إلغاء الفرح. افرحوا وزغردوا واذبحوا الذبائح. لكن أعيدوا الزواج إلى حجمه الطبيعي.

من يحبكم، تكفيه ساعة يجي يبارك لكم فيها. ومن جاء للتصوير، عدم حضوره راحة.
يسّروا على الشباب، ييسر الله عليكم. البنت أغلى من أن تُقاس بالمال.
العيب هو الدين والهم. أما البساطة فهي عين العقل.
تعداد الليالي لا يصنع ذكرى، والسهر على الحسابات لا يجلب نوماً هانئاً، والمهر الغالي لا يضمن بيتاً عامراً.

الأولين علمونا درساً بسيطاً: “خفف حملك، وامش دربك”. الزواج الذي يبدأ بخفة، يستمر براحة. والزواج الذي يبدأ بثقل، ينتهي بكسر.

وقفوا العدّ، وخففوا السهر، ويسّروا المهور. ترجع البركة. والبركة إذا رجعت، تكفي عن كل شيء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى