بقلم : أ.مصهف بن علي عسيري
ليست الضغوط النفسية دائمًا عدوًّا يجب الهروب منه، بل قد تكون ـ في أحيان كثيرة ـ رسالة خفيّة تُعيد الإنسان إلى نفسه، وتوقظه من غفلته، وتكشف له حجم ما يستطيع احتماله وتجاوزه. فالحياة لا تمضي على وتيرة واحدة؛ يومٌ يرفعك، ويومٌ يختبر صبرك، ويومٌ يضعك أمام مرآة ذاتك لتكتشف: هل أنت هشٌّ كما تظن، أم أقوى مما تتخيّل؟
إن الإنسان حين تضيق به الحياة يشعر وكأن العالم كله ينكمش حول صدره، لكن الحقيقة العميقة أن بعض الضيق ليس إلا مساحة جديدة يولد فيها الوعي. فالنفوس العظيمة لا تُصنع في أوقات الراحة، بل تُصقلها التجارب، وتُهذبها الخسارات، وتُعيد ترتيبها الأزمات. لذلك كان الألم أحيانًا مدرسة، وكانت المعاناة بابًا لفهم الحياة بطريقة أكثر نضجًا ورحمة واتزانًا.
وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة العظيمة بقوله:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
سورة الشرح: الآيتان 5 – 6.
فكأن الرسالة الربانية هنا تؤكد أن داخل كل ضيق نافذة نور، وأن كل شدة تحمل في أعماقها فرجًا خفيًّا قد لا يراه الإنسان في لحظة انكساره.
وفي سيرة الأنبياء تتجلّى أعظم صور تحويل المعاناة إلى قوة. فالنبي يوسف عليه السلام أُلقي في البئر، وخانته الوجوه التي أحبها، ودخل السجن ظلمًا، لكن تلك المحطات المؤلمة نفسها كانت الطريق إلى التمكين والنجاة. وقد لخّص القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
سورة يوسف: الآية 90.
وكأن الحياة تقول لنا: إن بعض الأبواب العظيمة لا تُفتح إلا بعد المرور بممرّات الألم.
أما في السنة النبوية، فقد قال النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير».
وهو حديث يحمل معنى عميقًا؛ فالمؤمن الحقيقي لا يرى أوجاعه نهاية الطريق، بل يتعامل معها باعتبارها مرحلة تصنع فيه إنسانًا أكثر وعيًا وصبرًا ونضجًا.
ومن أعظم الأخطاء أن يظن الإنسان أن القوة تعني ألا يتألم. الحقيقة أن القوة الحقيقية هي أن تتألم ثم لا تنكسر، أن تضيق بك الدنيا ثم تبقى رحيمًا، أن تتعب نفسيًا ثم لا تسمح لليأس أن يسرق منك إيمانك بالحياة.
فكم من إنسان ظن أن نهايته كانت في لحظة انهياره، ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية وعيه الحقيقي. وكم من قلبٍ أتعبته الحياة، لكنه خرج من التعب أكثر حكمة وإنسانية وعمقًا.
في النهاية…
ليست الحياة عادلة دائمًا، لكنها غالبًا حكيمة. وما نظنه اليوم ضغطًا يخنقنا، قد يكون غدًا السبب الذي صنع وعينا، وغيّر مسارنا، وأنقذ أرواحنا من حياة سطحية بلا معنى. فبعض النِّعم تأتي متخفية في هيئة تعب، وبعض الفرص ترتدي ثوب الألم قبل أن تكشف وجهها الحقيقي .




