المقالات

مقال ( وهم الزحام )

بقلم الكاتب أ. أحمد علي عسيري

في ظل أمور حياتنا اليومية وفي ظل تسارع الأحداث هناك زوايا مظلمة انحجب عنها الضوء وأقصد بذلك أنها لم تعد متوهجة كما اعتدنا على أصحابها فصارت تُخفّى خلفها أزمات كثيرة لأنها أصبحت تعيش في عالم مغاير تماماً لم ترغبه ولكنها اعتادت وقد يكون وهماً
نرى الابتسامات ونلحظ الصمت الطويل ولكننا لانشعر بها حسيّا على من حولنا فهي فقط تُرهق عقول وقلوب أصحابها
نعم ياعزيزي قد يبدو المشهد غريباً نوعاً ما في شرح الحالة التي أُريد إيصالها لك
كيف بإنسانٌ يسير وسط شارعٍ مزدحم تتعالى حوله الأصوات وتتلاقى نظرات المارة، وترتفع ضحكات المجموعات فكل شيء من حوله ينبض بالحياة إلا قلبه في داخله فراغٌ عميق لا يراه أحد وصمتٌ لا يقطعه ضجيج وحنينٌ لا يجد له صدى في أي وجهٍ يمر
إنها الوحدة التي فرضها البعض منّا على نفسه
فالوحدة عندنا لاتكون في غياب الناس فحسب بل في غياب الشعور بالانتماء إليهم وليست في فراغ المكان بل فراغ الروح من الدفء أحياناً
هنا تكون الوحدة أكثر قسوة لأننا ندرك حينها أن المسافة بيننا وبين الآخرين ليست جسدية بل شعورية فهي مسافة لا تُقاس بخطوات بل بنبض لا يلتقي
نحن نتحدث كثيراً لكننا نُصغي قليلاً نبتسم بدافع المجاملة لا بدافع الفهم نقترب بالكلام ونبتعد بالصمت هكذا تتكاثر الزحامات من حولنا وتتناقص الأرواح القريبة حينها يصبح العالم أشبه بصالة انتظارٍ كبيرة
مزدحمة بالأجساد فارغة من اللقاء الحقيقي
ولو تساءلنا ماسبب هذا كلّه ؟
وهل هي تعتبر فرصة ؟
إن أجبتني بنعم فسأتفق معك أحياناً في كونها فرصة لتكون مساحة يسمع فيها المرء صوته الداخلي بوضوح ولكنها قد تتحول إلى وجعٍ حين تطول وحين يدرك الإنسان أن لا أحد يفتقد صمته ولا أحد ينتبه إلى غيابه ويبني على هذا أموراً أكبر
في هذه اللحظة تتجلّى أقسى أنواع الوحدة وهنا تكون مرئياً للجميع لكن غير موجودٍ حقاً في قلب أحد وحينها تنسى أنك من بنيت هذه الأوهام وصدّقتها لأنك أعطيتها فوق ماتستحق
فمهلاً ياعزيزي فعلاج هذه الوحدة لا يكون بكثرة العلاقات بل بصدقها لا بالضجيج بل بالإنصات ولا بالعدد بل بالعمق لأن دفء إنسانٍ واحدٍ صادق قد يبدّد برد ألف زحام
ولكن عندما تصل إلى هذا الحال سأهديك نصيحة وإن كنت أحيانًا أفتقر لها
إياك أن تبني أوهاماً لاتجدها وخيالاً لاواقعاً عش ذلك الشخص الذي يعرف نفسه ويقدّر ذاته
أنت لست محور الكون ياعزيزي !
فكل هذا الضجيج من حولك لا يعني الحياة ولا يُثبت أنك جزء منه
فالحياة الحقيقية وفهم الذات تبدأ حين تصغي أنت إلى صوتك الداخلي وسط الضجيج
وحين تختار أن تكون حاضراً في نفسك لا تابعاً لما يمرّ أمامك
لا بأس أن تكون هادئاً في عالمٍ يركض فهو لايهمك تماماً مادام أنّه لايلامسك !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى