المقالات

حين يتكلم الميدان

✍ أ.مصهف بن علي عسيري

في التعليم، ليست كل الحقائق أرقامًا تُقرأ، ولا كل النجاحات مؤشراتٍ تُقاس؛ فثمة حقيقة أخرى تسكن خلف أبواب الفصول، وفي أسئلة الطلاب، وهموم المعلمين، ومحاولات قائد المدرسة أن يصنع من الإمكانات المتاحة أفضل واقع ممكن. هناك تبدأ الحكاية الحقيقية للتعليم.

لقد تغير التعليم، وتغير معه الطالب والمعلم وأدوات المعرفة، وأصبحت التقنية شريكًا في الفصل. لكن السؤال الأهم ليس: كم تغير التعليم؟ بل: هل وصل هذا التغيير إلى جوهر العملية التعليمية كما ينبغي؟

فالقرار التربوي، مهما بلغت جودته، لا تكتمل قيمته عند صدوره، وإنما حين يستطيع الميدان تحويله إلى ممارسة نافعة. وبين القرار والتطبيق مساحة ينبغي أن يسكنها الاستماع والتجريب والتقويم.

المعلم… ووقته للتعليم

من الأسئلة التي تستحق التأمل: كم من وقت المعلم يذهب إلى التعليم الفعلي، وكم تستهلكه أعمال يمكن اختصارها أو أتمتتها؟

رسالة المعلم الكبرى أن يعلّم، ويحفّز، ويكتشف، ويبني إنسانًا. وكل دقيقة نعيدها إليه ليقضيها مع طلابه هي استثمار في مستقبلهم. فالتطوير لا يعني دائمًا إضافة مهمة أو منصة جديدة؛ بل قد يكون أحيانًا في حذف ما لم يعد ضروريًا.

الطالب… ماذا بقي من أثر التعليم؟

قد يحضر الطالب، ويؤدي اختباراته، وينتقل بين الصفوف؛ لكن السؤال الأعمق: ماذا بقي فيه مما تعلّم؟

التعليم الحقيقي لا يصنع طالبًا يحفظ الإجابة فحسب، بل عقلًا يعرف كيف يسأل، ويحلل، ويحل المشكلات، ويحوّل المعرفة إلى مهارة وقيمة. لذلك ينبغي ألا يكون السؤال فقط: «كم أكملنا من المقرر؟»، بل: «كم تعلّم الطالب فعلًا؟»

قائد المدرسة… الثقة والصلاحية

ليست المدارس متطابقة؛ فهي تختلف في بيئاتها وطلابها وإمكاناتها واحتياجاتها. ومن هنا يصبح تمكين قائد المدرسة ضرورة؛ فمن يعيش التفاصيل اليومية أقدر على اكتشاف حلولها.

والتمكين لا يعني غياب المساءلة؛ بل إن اتساع الصلاحية ينبغي أن يقابله وضوح المسؤولية والمحاسبة، حتى تتحول القيادة المدرسية من مجرد تنفيذ التعليمات إلى المبادرة وصناعة الحلول.

التقنية… وسيلة لا غاية

التقنية مكسب كبير حين تختصر الوقت وتسهّل الإجراءات، لكنها تظل أداة لا رسالة. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بكثرة المنصات، بل بقلة الخطوات، وسهولة الإجراء، ودقة المعلومة، وتوفير وقت الإنسان.

فإذا أصبح المعلم يقضي أمام المنصة وقتًا ينافس الوقت الذي يقضيه مع طلابه، فمن حق الميدان أن يسأل: هل خدمت التقنية التعليم، أم أصبح التعليم يخدم التقنية؟

الأسرة… شريك في صناعة الإنسان

لا تستطيع المدرسة أن تحمل مسؤولية التربية وحدها؛ فالطالب يقضي فيها ساعات محدودة ثم يعود إلى بيئة أخرى تشكل عاداته وقيمه.

لذلك ينبغي أن تتجاوز علاقة الأسرة بالمدرسة حدود المشكلات والدرجات، إلى شراكة حقيقية في بناء الطالب؛ فبناء الإنسان لا تنجزه مؤسسة واحدة بمفردها.

حين نصغي إلى الميدان

ربما تكون إحدى أهم أدوات التطوير أبسطها: أن نسأل أهل الميدان ثم نصغي جيدًا.

نسأل المعلم عما يعوق تعليمه، والطالب عما يساعده على التعلم، وقائد المدرسة عما يحتاجه من صلاحيات، والأسرة عن الفجوات التي تراها؛ ثم تتحول الإجابات إلى بيانات، والبيانات إلى قرارات، والقرارات إلى ممارسات قابلة للقياس والتطوير.

فالميدان ليس آخر محطة يصل إليها القرار؛ بل ينبغي أن يكون أحد الأماكن التي يبدأ منها القرار.

أخيرًا…

مستقبل التعليم لا تصنعه المباني الحديثة والمنصات واللوائح وحدها؛ بل يصنعه معلم يجد وقتًا للتعليم، وقائد يمتلك الثقة والصلاحية، وطالب يرى معنى لما يتعلمه، وأسرة تدرك دورها، ومنظومة تستمع إلى الميدان.

فالتعليم في جوهره ليس صناعة شهادات، بل صناعة إنسان.

وحين يصبح الإنسان قلب القرار، تصبح الجودة أثرًا لا رقمًا، والتطوير ممارسة لا شعارًا، والمدرسة مكانًا تُصنع فيه الحياة قبل أن تُمنح فيه الشهادات.

وحين يتكلم الميدان، فإن الحكمة ليست أن نسمعه فحسب؛ بل أن نجعل صوته شريكًا في صناعة المستقبل؛ فأقصر طريق إلى تطوير التعليم… يبدأ من باب المدرسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى