تتجه السعودية نحو توسيع تطبيق تقنيات الزراعة دون تربة لمواجهة ندرة المياه وزيادة الإنتاج الزراعي، مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة المحاصيل وتحديد احتياجاتها، ما يساهم في تقليل الاعتماد على اليد العاملة والمساحات الزراعية التقليدية.
وتسمح هذه الوسائل بتخفيض استهلاك المياه بنحو 97% مقارنة بالحقول المكشوفة، فيما يتراوح العائد على الاستثمار في المحاصيل التقليدية بين 30 و38%، ويمكن أن يصل إلى 110% في المستنبتات.
وأفاد المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة “إيراما”، المهندس عبدالله سحاب، لـ”الاقتصادية” أن المستثمر قد يستعيد رأس ماله خلال عام واحد عند تطبيق التقنية في المستنبتات، في حين تمتد فترة استرداد الاستثمار بين عامين ونصف وثلاثة أعوام ونصف عند استخدامها في زراعة خضروات السلطة والمطابخ.
وتتراوح تكلفة إنشاء المتر المربع الواحد من هذه المزارع بين 5 و9 آلاف ريال، وتشمل البناء والتكييف والنظام التقني، وذلك بحسب مساحة المشروع وموقعه ونوعية الأنظمة المعتمدة.
وتبلغ تكلفة تشغيل المزارع المحمية نحو عُشر تكلفة الإنتاج في الحقول المكشوفة، إذ يمكن أن تهبط تكلفة إنتاج طن من بعض المحاصيل من ألف ريال في الزراعة التقليدية إلى نحو 100 ريال باستخدام هذه التقنيات، مع تفاوت التكاليف بحسب نوع المحصول والمنظومة المستخدمة.
إنتاجية المساحة ترتفع حتى 80 ضعفا
أوضح سحاب أن الزراعة المائية هي المصطلح الشائع للزراعة دون تربة، التي تعتمد على وسائط بديلة مثل الصوف الصخري والصوف البركاني وغيرها، وتستخدم لإنتاج خضراوات السلطة والمطبخ وبعض الفواكه وأنواع المحاصيل الاستهلاكية اليومية.
وتتزايد الحاجة إلى هذه التقنيات في السوق المحلية مع تقلص موارد المياه وتراجع أعداد العاملين في القطاع الزراعي، فيما تتيح الأتمتة والأنظمة الميكانيكية لشاب أو شابة إدارة ما يعادل إدارة 5 أو 6 مزارع في وقت واحد.
وبإمكان الأنظمة الحديثة رفع إنتاجية المساحة الزراعية بما يتراوح بين 8 و80 ضعف ما تحقق الحقول المكشوفة، حسب نوع التقنية والمحصول وطريقة توزيع النباتات، مع إمكان الإنتاج في مواسم متتابعة ضمن مساحة محدودة.
خفض استهلاك المياه
تستهلك مزارع الزراعة دون تربة ما بين 3 و5% فقط من كمية المياه المستخدمة في الحقول المكشوفة، نتيجة إعادة معالجة المياه وإعادتها إلى دورة الري، ما يوفر نحو 97% من المياه.
وأشار سحاب إلى أن غياب أنظمة التحكم والأتمتة في بعض الحقول المكشوفة يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه، كما أن الإفراط في الري قد يسبب تعفن الجذور وتراجع جودة المحاصيل.
وتعد السعودية، وفق تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” لعام 2025، من بين ثلاث دول الأكثر فقراً بالمياه في العالم، وتستهلك ما يعادل 987% من مواردها المائية المتجددة.
ويستحوذ القطاع الزراعي على أكثر من 84% من استهلاك المياه، مقابل نحو 12% للقطاع السكني و4% للقطاعين التجاري والصناعي، في حين يغطي الإنتاج المحلي نحو 7% من الاحتياج الغذائي، بحسب بيانات أوردها سحاب.
ويُعد خفض استهلاك المياه أحد أهم دوافع الاستثمار في الزراعة الحديثة، إلى جانب زيادة الإنتاج وتقليص المساحات المستخدمة وخفض الحاجة إلى العمالة وتحسين جودة المحاصيل.
إدارة المزرعة بالذكاء الاصطناعي
اختبرت شركة “إيراما” نحو 128 محصولاً باستخدام تقنيات الزراعة دون تربة، شملت الخس والجرجير والكزبرة والبقدونس والطماطم والفراولة والقرعيات وبعض أنواع الكرز والأشجار المثمرة.
وسجلت خضراوات السلطة والمطبخ أفضل عائد استثماري بين المحاصيل التي جربتها الشركة، مدفوعة بارتفاع الطلب عليها وإمكانية إنتاجها بشكل مستمر.
وتتيح المزرعة الواحدة إنتاج محاصيل متعددة مثل الخس والكزبرة والجرجير والبقدونس والطماطم والفراولة، مع إمكانية عزل كل رف والتحكم في تغذيته وإضاءته ودرجته الحرارية بشكل مستقل.
وبحسب سحاب، فإن تخصيص الظروف المحيطة بكل محصول يمكّن من تنويع الإنتاج داخل المتر المربع الواحد، خلافاً للحقول المكشوفة التي تتأثر بالمناخ وطريقة الري والمساحات المتاحة.
وينتج المتر المربع الواحد في إحدى المنظومات نحو 25 كيلوجراماً شهرياً، بينما تسمح المزارع العمودية باستغلال الارتفاع لمضاعفة عدد النباتات في نفس المساحة.
وتُدار المزرعة عبر نحو 32 حساساً ومضخة مرتبطة بوحدات تحكم وإنترنت الأشياء لمراقبة التغذية والإضاءة ودرجات الحرارة والأكسجين وثاني أكسيد الكربون، فيما تُستخدم الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لتحليل حالة النباتات عبر الكاميرات وتحديد احتياجاتها من الحديد والنيتروجين والعناصر الغذائية بشكل مستمر.
وتخلط أنظمة التشغيل المحاليل لحظياً وفق نوع النبات وعمره وحالته، مع إمكان تخصيص التغذية لكل رف أو مجموعة نباتات داخل المزرعة.
وطورت الشركة تصميماً للزراعة العمودية يشبه مكعبات التركيب دون استخدام مسامير، ما يسمح بفك طبقاته وإضافة أخرى وتوسيع المنظومة بناءً على المساحة المتاحة.
وصُممت الأنظمة الميكانيكية وتقنيات إنترنت الأشياء والإضاءة ووحدات التحكم وطُورت محلياً في السعودية، ويُمثل السعوديون نحو 80% من القائمين على التصميم والهندسة الميكانيكية داخل الشركة.
وحصلت الشركة على جائزة أفضل تصميم للزراعة العمودية عالمياً في 2021، بالإضافة إلى جائزة عالمية في تقنيات الزراعة عام 2023.
440 مزرعة تستخدم تقنيات الزراعة دون تربة
يبلغ عدد المزارع التي تستخدم تقنيات الزراعة دون تربة في السعودية نحو 440 مزرعة، إلا أن معظمها يقع خارج النطاق الحضري، ما يزيد تكاليف النقل ويطرح تحديات في الوصول إلى المستهلك النهائي.
ويرى سحاب أن السماح بمزاولة الزراعة دون تربة داخل الأحياء والحدائق يشكل خطوة مهمة لتوسيع النشاط، إذ يتيح إنشاء المزارع قرب المستهلك ونقاط البيع.
وتضم المملكة أكثر من 9 آلاف نقطة بيع تشمل متاجر الهايبر ماركت ومنافذ بيع الخضراوات، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف حديقة عامة قابلة للاستثمار في النشاط الزراعي.
واتجهت “إيراما” إلى التعاقد المباشر مع الفنادق ومتاجر التجزئة والمطاعم، ولديها عقود مع فنادق فئة الخمس نجوم ومتجرَي هايبر ماركت ونحو 70 سوبر ماركت في السعودية.
ويُسهم البيع المباشر في تقليل الاعتماد على الوسطاء وخفض تكاليف النقل والتوزيع، إلى جانب إمكانية نقل النباتات حية إلى رفوف المتاجر بدلاً من فصلها عن جذورها قبل وصولها إلى المستهلك.
كما يتيح إنشاء المزارع داخل الفنادق ومتاجر التجزئة الاستفادة من المساحات المكيفة والمبردة القائمة، ما يقلل الحاجة لتحمّل تكاليف إضافية للكهرباء والتبريد.
ويساعد ثبات ظروف الإنتاج والتوزيع على تقديم عقود طويلة الأجل قد تصل إلى 10 أعوام بأسعار مستقرة، مع توفير منتجات بجودة تقارب المنتجات الأوروبية والهولندية وبأسعار مماثلة للسوق المحلية أو أقل.
مزرعة منزلية توفر 37 منتجاً أسبوعياً
وفي توجه لنقل التقنية إلى المنازل، طورت الشركة مزرعة منزلية بمقاس 60×60 سنتيمتراً تشبه الثلاجة، ويمكنها إنتاج نحو 37 منتجاً أسبوعياً لتغطية احتياجات أسرة مكونة من 8 أشخاص من خضراوات السلطة والمطبخ وبعض أنواع الفواكه.
يعمل الجهاز بالذكاء الاصطناعي، فتتولى أنظمة خلط المحاليل والتغذية والرعاية تلقائياً، بينما تقتصر مهمة المستخدم على قطف المنتجات عند نضجها.
ويخضع الجهاز للاختبارات منذ عامين ونصف لدى نحو 20 عميلاً، نظراً إلى حاجة الأنظمة الزراعية إلى مراقبة دورة الإنتاج الكاملة للنباتات الحولية لفترة لا تقل عن عام.
وتستهدف الشركة وصول تقنياتها إلى ما بين 7 و8% من المنازل السعودية، مما يساعد الأسر على تحقيق اكتفاء غذائي منزلي يتراوح بين 20 و40%.
وذكر سحاب أن نمو النباتات داخل المزارع الحديثة لا يختصر عمرها الافتراضي بشكل كبير، فالخس الذي ينمو خلال 32 يوماً في الحقول المكشوفة يحتاج لمثل هذه المدة في المزارع دون تربة، لكن تحسن ظروف التغذية والري والإضاءة يرفع من جودة النبات وصحته.
وتشير بعض التجارب إلى إمكانية تسريع النمو باستخدام الإضاءة فوق البنفسجية بنسبة لا تتجاوز 7%، إلا أن هذه النتائج لم تثبت تجارياً أو علمياً بشكل كافٍ حتى الآن.
الأمن الغذائي يتحول إلى ضرورة
تستورد دول الخليج أكثر من 90% من منتجاتها الغذائية، ما يزيد أهمية رفع الإنتاج المحلي في ظل المخاطر التي قد تهدد سلاسل الإمداد أثناء الأزمات الاقتصادية أو العسكرية.
ورأى سحاب أن اضطراب طرق التجارة والمضايق البحرية قد يدفع بعض الدول إلى تقنين شراء المواد الغذائية أثناء الأزمات، ما يؤكد ضرورة زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرة المدن والمنازل على تلبية جزء من احتياجاتها.
وأكد أن الأمن الغذائي أصبح حاجة أساسية وليس ترفاً، وأن التوسع في تقنيات الزراعة الحديثة يمكن أن يسهم في الحفاظ على الموارد المائية وتوطين المهن الزراعية وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.




