المقالات

لايمكن قراءة قمة مكة من زاوية الدفاع فقط

✍🏻صالح جراد الشهري

لم تعد قيمة القمم فيما سيقال أمام عدسات الكاميرات، وإنما فيما تتركه من أثر في حسابات الدول. فالتاريخ السياسي لا يتوقف كثيرًا عند صور المصافحة، بل عند اللحظة التي يتغير فيها اتجاه البوصلة.

ومن هذه الزاوية، تبدو قمة مكة أكثر من لقاء جمع قادة السعودية وتركيا وباكستان. إنها تعكس تحولًا في طريقة التفكير السياسي السعودي، وانتقالًا من مرحلة إدارة التحالفات التقليدية إلى بناء شراكات استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة، وتعدد الخيارات، والقدرة على التكيف مع نظام دولي يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

لقد أدركت الرياض مبكرًا أن العالم لم يعد يُدار بالثنائيات القديمة، وأن الاعتماد على شريك واحد لم يعد ينسجم مع طبيعة المرحلة. لذلك اتجهت إلى سياسة أكثر توازنًا، توسع فيها شبكة علاقاتها، وتبني شراكاتها وفق ما يخدم أمنها الوطني ومصالحها الاقتصادية ومكانتها الإقليمية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القمة أن المملكة لم تبحث عن حلفاء متشابهين، بل عن شركاء يمتلك كل منهم ميزة مختلفة. فالسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي وموقعها الجغرافي، وتركيا بخبراتها الصناعية والدفاعية، وباكستان بإمكاناتها العسكرية وموقعها الاستراتيجي، تشكل معًا عناصر تكامل أكثر منها عناصر تشابه. وفي عالم التحالفات، غالبًا ما تنجح الشراكات التي تتكامل فيها القدرات، أكثر من تلك التي تتكرر فيها الأدوار.

لكن قراءة القمة من زاوية الدفاع وحدها قد تكون قراءة ناقصة.

فالتحالفات الحديثة لم تعد تُبنى لمواجهة حرب، بقدر ما تُبنى لمنعها. وهي لم تعد تقتصر على التعاون العسكري، بل تمتد إلى الأمن السيبراني، وحماية سلاسل الإمداد، وتأمين الممرات البحرية، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتبادل المعرفة، والتنسيق في إدارة الأزمات. وهذا هو المفهوم الجديد للأمن؛ أمن يربط الاقتصاد بالاستقرار، والاستثمار بالثقة، والتنمية بقدرة الدولة على حماية مكتسباتها.

اقتصاديًا، لا يمكن فصل الأمن عن الاستثمار. فكل مشروع تنموي يحتاج إلى بيئة مستقرة، وكل اقتصاد طموح يحتاج إلى محيط آمن، وكل رؤية مستقبلية تحتاج إلى شراكات تقلل من المخاطر وتوسع فرص التعاون. ومن هنا، فإن أي إطار للتعاون بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد ستكون قيمته الحقيقية في قدرته على إنتاج مشاريع مشتركة، ونقل التقنية، وتعزيز التكامل الصناعي، وليس في البعد العسكري وحده.

أما سياسيًا، فإن الرسالة الأبرز التي يمكن قراءتها من قمة مكة هي أن المملكة أصبحت أكثر ميلًا إلى صناعة التوازنات، لا الاكتفاء بالتكيف معها. وهي مقاربة تنسجم مع التحول الذي تشهده السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الرياض تتحرك بثقة أكبر في ملفات الإقليم، وتدير علاقاتها الدولية بقدر عالٍ من المرونة، مع الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي.

ومع ذلك، فإن الحكم على أهمية أي اتفاقية لا يكون في يوم توقيعها، بل بعد سنوات من تنفيذها. فالتاريخ لا يمنح الاتفاقيات قيمتها بسبب عناوينها، وإنما بما تنتجه من مؤسسات، وبرامج، ومصالح مشتركة، وقدرة على الاستمرار أمام تغير الحكومات والظروف الدولية.

قد يرى البعض في قمة مكة اتفاقًا دفاعيًا جديدًا، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أنها قد تكون جزءًا من إعادة تعريف مفهوم الشراكة في المنطقة؛ شراكة لا تقوم على ردود الأفعال، بل على التخطيط بعيد المدى، ولا تبحث عن المواجهة، بل عن بناء توازن يحمي الاستقرار ويعزز المصالح.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث في مكة؟

بل: هل تمثل مكة بداية مرحلة جديدة في هندسة التحالفات الإقليمية؟

الإجابة لن تكتبها البيانات الرسمية، بل ستكتبها السنوات القادمة، عندما يتحول ما وُقِّع على الورق إلى واقع سياسي واقتصادي وأمني، وعندها فقط يمكن قياس حجم التحول الذي بدأ من مكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى