🖌️ شهد القحطاني – عسير
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي المنصة الأولى للتعبير عن الآراء يبرز سؤال يستحق التأمل: هل فقدنا ثقافة الحوار وتقبّل الرأي الآخر؟ سؤال لا يتعلق بالفضاء الرقمي وحده بل يمتد إلى الأسرة والمدرسة ومكان العمل وحتى المجالس اليومية حيث بات الاختلاف في كثير من الأحيان سبباً للخلاف بدلاً من أن يكون فرصة للتفاهم.
الحوار هو لغة المجتمعات الواعية وأحد أهم أدوات بناء العلاقات الإنسانية فمن خلاله تطرح الأفكار وتناقش القضايا وتصحح المفاهيم ويفتح المجال أمام الجميع للتعبير عن آرائهم بحرية واحترام إلا أن الواقع يشير إلى تراجع هذه الثقافة لدى البعض إذ أصبح الرأي المخالف يقابل أحياناً بالسخرية أو الهجوم الشخصي أو التشكيك في النوايا بدلاً من مناقشة الفكرة نفسها.
لقد أسهمت سرعة انتشار المعلومات وسهولة النشر عبر المنصات الرقمية في تعزيز حالة الاستقطاب فكثير من المستخدمين يبحثون عمن يوافقهم الرأي بينما يرفضون الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة حتى وإن كانت مدعومة بالحقائق والمنطق ومع تكرار هذا السلوك أصبح الاختلاف يفسر على أنه خصومة لا تنوع في الأفكار.
ومن المؤسف أن بعض النقاشات لم تعد تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة أو تبادل المعرفة بل إلى الانتصار للرأي الشخصي وإثبات التفوق على الآخرين وهذا ما أفقد الحوار قيمته الحقيقية وحول كثير من النقاشات إلى جدل عقيم لا يثمر إلا مزيداً من الانقسام.
إن تقبل الرأي الآخر لا يعني الموافقة عليه وإنما احترام حق الآخرين في التفكير والتعبير والقدرة على الاستماع قبل إصدار الأحكام فالمجتمعات المتحضرة لا تقاس بمدى اتفاق أفرادها وإنما بقدرتهم على إدارة اختلافاتهم بأسلوب راق يحفظ الاحترام المتبادل ويعزز التماسك الاجتماعي.
ولإحياء ثقافة الحوار لا بد أن يبدأ الأمر من الأسرة التي تعد المدرسة الأولى لتعليم الأبناء آداب النقاش واحترام الآخرين ثم يأتي دور المؤسسات التعليمية في غرس قيم التفكير النقدي والتسامح إضافة إلى دور وسائل الإعلام وصناع المحتوى في تقديم نماذج حوارية راقية تعلي من قيمة الكلمة المسؤولة.
وفي وطننا الذي يشهد نهضة شاملة في مختلف المجالات تزداد الحاجة إلى ترسيخ ثقافة الحوار بوصفها ركيزة للتنمية والتعايش فتنوع الآراء والأفكار يمثل مصدر قوة إذا أُحسن توظيفه لا سبباً للفرقة أو التعصب.
و يبقى الاختلاف سنة من سنن الحياة ولن يكون الجميع نسخة واحدة في التفكير أو القناعات لكن ما يمكن أن نجتمع عليه هو احترام الإنسان والإيمان بأن الحوار الواعي لا يُنتج غالباً ومغلوباً بل يفتح أبواب الفهم ويقرب المسافات ويجعل المجتمع أكثر نضجاً وقدرة على مواجهة تحدياته بروح من الاحترام والتعاون .




