المقالات

الرذيلة بين فضيلتين

بقلم:  د. جمانة الهتان

 

حين نسمع كلمة رذيلة يتبادر إلى أذهاننا كل ما هو قبيح ونربطها مباشرة بالشر وسوء الخلق، لكن الإنسان لا ينزلق دائمًا من هذا الباب.

فبعض الأخطاء تبدأ من صفات نعدّها من أجمل ما يتحلى به الإنسان ثم تتحول مع الوقت إلى عبء عليه وعلى من حوله
فالفضيلة ليست رخصة للمبالغة بل مسؤولية تحتاج إلى وعي فالشجاعة مثلًا لا تبقى شجاعة إذا دفعت صاحبها إلى التهور والمخاطرة بكل شيء كما أن الحذر لا يبقى حكمة إذا حبس الإنسان داخل دائرة الخوف وبين هذين الطرفين يعيش الاتزان
وهو المساحة التي تمنح كل خلق قيمته الحقيقية الأمر لا يقتصر على الشجاعة أو الحذر بل يمتد إلى معظم الصفات الإنسانية فالكرم قد يتحول إلى استنزاف
والرحمة قد تضعف أمام من لا يقدّرها والصبر قد يصبح استسلاماً وضعف والصدق قد يتحول إلى قسوة إذا غاب عنه حسن الأسلوب المشكلة هنا ليست في الفضيلة نفسها وإنما في الطريقة التي تُمارس بها ولهذا لا يكفي أن يسأل الإنسان نفسه:
هل أنا كريم؟

هل أنا صبور؟

هل أنا رحيم؟

بل عليه أن يسأل سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل أضع هذه الصفات في مواضعها الصحيحة؟

* كم من إنسان أنهك نفسه لأنه لم يعرف متى يقول لا, وكم من آخر خسر احترام الناس لأنه ظن أن التسامح يعني التنازل في كل مرة.

وكم من قلب امتلأ بالتعب لأنه اعتقد أن التضحية المستمرة دليل على صدق المحبة والوفاء ثم اكتشف متأخرًا أن العطاء الذي يفتقد الحدود قد يتحول إلى استنزاف لا يشعر به إلا صاحبه ومن هنا يبدو أن كثيرًا من المشكلات التي نعيشها لا تعود إلى غياب الأخلاق بل إلى اختلال ميزانها فالزيادة ليست دائمًا فضيلة كما أن النقص ليس دائمًا عيبًا ما يصنع الفارق هو معرفة الحد الذي تتوقف عنده الصفة قبل أن تنقلب إلى ضدها، إن الحياة لا تعلمنا كيف نكون طيبين فحسب بل تعلمنا كيف نحمي طيبتنا ولا تعلمنا كيف نعطي فقط
بل كيف نعرف لمن نعطي, ومتى نعطي ,ومتى يكون الامتناع هو القرار الأكثر حكمة
ربما لهذا كانت الرذيلة أقرب إلينا مما نظن؛ فهي لا تأتي دائمًا في صورة واضحة, بل قد تدخل حياتنا متخفية في هيئة فضيلة تجاوزت حدودها, حتى يختلط علينا الفرق بين الخُلق الحسن والمبالغة فيه ولهذا أؤمن أن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يحمل من صفات جميلة بل بقدرته على ضبطها. فالأخلاق في جوهرها، ليست قائمة طويلة من الفضائل, وإنما ميزان دقيق إذا اختلّ طرف منه اختلّ معه كثير من تفاصيل الحياة ولعل الرذيلة ليست سوى فضيلة فقدت إتزانها فكل شي يزيد عن حدة ينقلب ضدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى