المقالات

برنامج «حضوري» بين الانضباط واستثمار الوقت

✍🏻 الكاتبة د. جمانة يحيى الهتّان

أسدل العام الدراسي المنصرم ستاره تاركًا خلفه عامًا حافلًا بالتحديات والصعوبات التي عاشها الميدان المدرسي بكل تفاصيله. فقد كان عامًا استثنائيًا في متطلباته ومتسارعًا في تغيراته ومليئًا بالمسؤوليات التي تطلبت من المعلمين والمعلمات والإدارات المدرسية قدرة عالية على التكيف والصبر والاستمرار في أداء رسالتهم التربوية بكل إخلاص.

ورغم ما حمله العام من إنجازات وجهود كبيرة إلا أنه كشف كذلك عن عدد من التحديات التي تستحق الوقوف عندها ليس من باب الاعتراض وإنما من باب التطوير والاستفادة من التجربة الميدانية. فالتغذية الراجعة الصادقة تعد من أهم أدوات تحسين الأنظمة والارتقاء بها.

ومن أبرز تلك التحديات تطبيق برنامج «حضوري» في المدارس الذي جاء بهدف تعزيز الانضباط وتنظيم عمليات الحضور والانصراف. وهي أهداف لا يختلف عليها أحد لأن الانضباط قيمة أساسية لنجاح أي بيئة عمل والالتزام بالأنظمة جزء من المسؤولية المهنية التي يعتز بها كل منسوب ومنسوبة في الميدان التربوي.

لكن التجربة الميدانية أظهرت جانبًا آخر يستحق التأمل وهو قضية استثمار الوقت. فقد أصبح عدد من المعلمين والمعلمات يقضون ما يقارب ساعتين داخل المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي وخروج الطلاب والطالبات دون وجود مهام تعليمية مباشرة أو أعمال نوعية تستثمر هذا الوقت بصورة تحقق قيمة مضافة.

ولعل أكثر ما يطرح التساؤل أن هذه الساعات لا يمكن أن تُملأ يوميًا بدورات تدريبية أو برامج تطويرية. فمثل هذه البرامج بطبيعتها ليست مستمرة طوال أيام العام الدراسي وإنما تقدم في أوقات محددة. أما في بقية الأيام فيبقى كثير من المعلمين والمعلمات داخل مدارسهم دون أعمال تستدعي هذا البقاء الأمر الذي يجعل الوقت يمضي دون أثر حقيقي ويولد شعورًا بأن الجهد والوقت لا يستثمران بالشكل الذي يوازي قيمة الكفاءات الموجودة في الميدان.

إن القضية هنا ليست في مدة الحضور وإنما في هدر الوقت. فالوقت مورد وطني ثمين واستثماره بكفاءة لا يقل أهمية عن الانضباط ذاته. وكل ساعة يقضيها المعلم أو المعلمة داخل المدرسة ينبغي أن تكون ذات أثر واضح سواء في تطوير الأداء أو دعم الطالب أو تنفيذ مبادرات تربوية أو إنجاز أعمال نوعية تعود بالنفع على المدرسة والمجتمع التعليمي.

إن نقل هذه الملاحظات ليس اعتراضًا على برنامج «حضوري» ولا دعوة إلى تقليل الانضباط بل هو صوت ينقل واقعًا يعيشه كثير من العاملين في الميدان المدرسي ويأمل أن يحظى بالاستماع والدراسة. فنجاح أي نظام لا يتحقق بمجرد تطبيقه وإنما بقياس أثره والاستفادة من التغذية الراجعة وإجراء التحسينات التي تعزز كفاءته وتحقق أهدافه.

ومع نهاية عام دراسي مليء بالتحديات يبقى الأمل كبيرًا بأن تستمر مسيرة التطوير وأن تُبنى القرارات المستقبلية على ما يقدمه الميدان من تجارب وملاحظات. فالمعلم والمعلمة هما الأقرب إلى واقع المدرسة والأقدر على تشخيص احتياجاتها.

فالغاية التي ننشدها جميعًا واحدة وهي مدرسة أكثر كفاءة وبيئة عمل أكثر إنتاجية ووقت يُستثمر فيما يصنع الأثر الحقيقي. وعندما يجتمع الانضباط مع حسن استثمار الوقت فإن المستفيد الأول سيكون الطالب وستكون المدرسة هي الرابح الأكبر.

هذه ليست دعوة لتقليل ساعات العمل بل دعوة إلى تعظيم أثرها.
فالميدان لا يبحث عن وقت أقل بل عن وقت يصنع فرقاً ويترك أثرًا حقيقيًا في جودة التعليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى