الاقتصادية

حصاد مياه الأمطار في السعودية قادر على توفير 4 مليارات متر مكعب سنويا

كشفت دراسة حديثة عن إمكانات اقتصادية واستراتيجية كبيرة لاستثمار مياه الأمطار في السعودية كمصدر بديل ومكمل لعمليات تحلية المياه، مما قد يساهم في تعزيز الأمن المائي وتقليل الأعباء المالية والبيئية المصاحبة لإنتاج المياه على المدى الطويل. وأوضحت الدراسة، التي أعدتها البروفيسورة الأميرة مشاعل بنت محمد، أن المملكة رغم تصنيفها من بين أكثر دول العالم جفافاً بمعدل هطول سنوي يبلغ نحو 100 ملم، تمتلك مخزوناً مطرياً يمكن استثماره بكفاءة عبر تطبيق حلول علمية متقدمة لحصاد المياه وإدارتها، خاصة مع ارتفاع استهلاك الفرد إلى نحو مرة ونصف المعدل العالمي.

قدرت الدراسة إجمالي السعة القابلة للحصاد من المواقع المحددة بنحو 3.6 مليار متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى 400 مليون متر مكعب من نطاقات جغرافية أخرى، ليبلغ الإجمالي حوالي 4 مليارات متر مكعب سنوياً. ويُعد هذا الرقم ذا أهمية كبيرة إذ يقارب حجم المياه المحلاة المنتجة في السعودية التي تبلغ نحو 11 مليون متر مكعب يومياً، أي ما يوازي نحو 4 مليارات متر مكعب سنوياً، ما يبين الإمكانات الكبيرة لحصاد مياه الأمطار في الحد من الاعتماد على التحلية.

تعتمد السعودية بصورة رئيسية على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها، وهي عملية تنطوي على تكاليف تشغيلية مرتفعة وتحديات بيئية، لا سيما تأثيرها على النظم الإيكولوجية البحرية. وتؤكد الدراسة أن تنويع مصادر المياه عبر الاستفادة من مياه الأمطار والسيول خيار استراتيجي قادر على تخفيف الضغط على قطاع التحلية وتعزيز استدامة الموارد.

تتوافق نتائج الدراسة مع توجهات وزارة البيئة والمياه والزراعة، التي تعمل على دراسات جيولوجية وهيدرولوجية وجيوفيزيائية لتصميم وتنفيذ مزيد من السدود بهدف حصاد 1.5 مليار متر مكعب إضافية من مياه السيول، بما يدعم قطاع مياه الشرب والمشروعات الزراعية. كما قدرت الوزارة أن حجم مياه الأودية القابلة للحصاد يتراوح بين 2.5 و3.5 مليار متر مكعب سنوياً، في حين يساهم حصاد المياه السطحية والسيول والمياه الجوفية المتجددة بنسبة تتراوح بين 7 و9% من إجمالي إمدادات المياه في المملكة.

أشارت الدراسة إلى وجود نحو 900 سد بمقاييس مختلفة في مناطق المملكة، أنشئت للحد من مخاطر السيول وإدارة الموارد المائية غير التقليدية، واعتبرت أن نتائج الدراسة تمثل امتداداً للجهود الحكومية الرامية إلى تطوير تشغيل السدود وتعظيم الاستفادة من مياه الأمطار والسيول لتلبية احتياجات الشرب والتنمية الزراعية.

استندت الدراسة إلى نمذجة جيومكانية متقدمة شملت تحليلاً للبيانات الجغرافية والهيدرولوجية باستخدام سجلات وتقارير وخرائط وتقنيات الاستشعار عن بُعد، وتحويلها إلى قواعد بيانات رقمية ضمن أنظمة المعلومات الجغرافية. وأسفرت النمذجة عن تحديد مكونين رئيسيين لعمليات الحصاد المائي: الأول يضم 72 موقعاً مناسباً مع 146 تقنية هندسية مختلفة لتجميع المياه، والثاني يشمل 81 نطاقاً جغرافياً ملائماً مع 106 تقنيات إضافية، جرى ترتيبها وفق معايير علمية تراعي كفاءة الحصاد والعوامل البيئية والهيدرولوجية. كما أنتجت النمذجة 245 خريطة رقمية تغطي مناطق المملكة كافة لدعم التخطيط واتخاذ القرار في مشروعات الحصاد المائي المستقبلية.

ركزت الحلول الهندسية المقترحة على استثمار تجمعات المياه السطحية الناتجة عن الأمطار في الأودية والروافد والمناطق المنخفضة وبين التجمعات السكنية، واستخدامها في إدارة مخاطر السيول وتعزيز التوازنات البيئية وتحسين المشهد الحضري. وشملت التدابير إنشاء قنوات مفتوحة في المناطق الجرداء وقنوات مغلقة في المناطق الحضرية لنقل المياه، إلى جانب إنشاء أحواض مائية للتحكم في حركة الجريان وتحسين كفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد.

أشارت الدراسة أيضاً إلى أن تنظيم التجمعات المائية يتجاوز توفير المياه ليحقق فوائد بيئية وعمرانية متعددة، من بينها الحد من التشوهات البيئية والتلوث الناتج عن جرف النفايات، وتحسين الحركة داخل المناطق السكنية، ورفع جودة المشهد الحضري وزيادة كفاءة إدارة السيول. وأوصت الدراسة بدعم استدامة المحميات الطبيعية وتطوير ودمج التقنيات الحالية مع الحلول المقترحة، مع التركيز على خصائص الخزانات الجوفية الضحلة، لا سيما تلك الواقعة في القنوات المائية القديمة، لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى