✍🏻 صالح جراد الشهري
يبدو أن بعض الفعاليات الصيفية لم تعد تتنافس في جودة برامجها، بل في عدد المقاطع التي ستغزو منصات التواصل قبل منتصف الليل.
لم يعد السؤال: ماذا قدمت الفعالية؟
بل أصبح: كم مقطعًا أصبح ترند؟
ومن أغرب المشاهد أن ترى رجلًا تجاوز مرحلة المراهقة بسنوات، يقف في وسط أماكن تعج بالعائلات، يرقص بكل حماس أمام عدسات الهواتف، وكأنه يشارك في مسابقة لا في فعالية عامة.
وهنا لا تملك إلا أن تتساءل:
أين ذلك الصديق الذي يهمس في أذنه: تذكر أنك رجل… وخلفك أبناء، وهذه اللقطات لن تختفي غدًا، بل ستبقى شاهدة عليك سنوات؟
فبعض المقاطع لا تنتهي بانتهاء الموسيقى، بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد رفعها إلى الإنترنت، حيث لا تُنسى، ولا تُمحى بسهولة.
ثم ننتقل إلى المسرح الآخر…
المقابلات الإعلامية.
في الماضي، كان الإعلامي يدخل ليبحث عن تصريح.
أما اليوم، فيبدو أن بعضهم يدخل ليبحث عن ضحكة!
تبدأ المقابلة بابتسامة…
ثم قهقهة…
ثم ضحكة أعلى…
ثم مجاملة…
ثم ضحكة أخرى…
حتى يخيل للمشاهد أنه يشاهد جلسة خاصة، لا لقاءً إعلاميًا يفترض أن يحافظ على قدر من المهنية والاتزان، وأن يراعي قيم المجتمع والذوق العام.
المهنية لا تعني الجمود، والابتسامة ليست خطأ، لكن حين تصبح القهقهة هي عنوان اللقاء، ويغيب السؤال الجيد، ويختفي المحتوى، فإن الميكروفون يفقد هيبته، ويصبح الحوار مجرد مادة سريعة للانتشار.
أما المشهد الثالث، فهو بطل الموسم بلا منازع…
مكبرات الصوت.
بعض المجمعات التجارية يبدو أنها أعلنت حربًا على طبلة الأذن!
تدخل لتشتري حاجة بسيطة، فتخرج وأنت تحفظ كلمات الأغنية، لا لأنك أحببتها، بل لأن الصوت كان أعلى من قدرتك على الهروب.
الأطفال يضعون أيديهم على آذانهم.
وكبار السن يبحثون عن زاوية هادئة فلا يجدون.
والعائلات ترفع أصواتها لتتحدث مع بعضها، لأن الموسيقى قررت أن تكون المتحدث الرسمي باسم المكان.
من قال إن رفع مستوى الصوت دليل على نجاح الفعالية؟
ومن أقنع البعض أن الهدوء عدو للترفيه؟
الترفيه الحقيقي لا يزعج الناس، والإعلام الحقيقي لا يتحول إلى استعراض، والفرح لا يحتاج إلى أن يفقد الإنسان اتزانه حتى يثبت أنه سعيد.
أخيراً:
لسنا ضد الفعاليات، ولا ضد البهجة، ولا ضد مواسم الصيف التي أصبحت مصدرًا مهمًا للحراك الاقتصادي والسياحي.
لكننا مع صيف يحترم العائلة، ويقدّر الذوق العام، ويحافظ على هيبة الإعلام، ويؤمن بأن أجمل الفعاليات هي التي تغادرها وأنت تحمل ذكرى جميلة… لا مقطعًا تتمنى لو أنه لم يُصوَّر أصلًا.




