المقالات

*تجارة الخفاء*

✒️الكاتب أ. صَالِح الرِّيمِي

هناك من يتاجر مع الله في الخفاء، ولم يبحث عن تصفيقٍ ولا عن شهرة، فخلّد الله أثره في القلوب، وأبقى ذكره في الأرض بعد أن غاب عنها، وما بين خفاء العمل وعظمة الجزاء، رجالٌ صدقوا تجارتهم مع الله، فرفع الله ذكرهم، وجعل لهم في الأرض حياةً لا تموت، فمن أصلح سريرته مع الله، أصلح الله له سيرته بين الناس ..

وهؤلاء ليسوا مجرد أسماء، هم قمم الإنسانية التي اختارت أن تزرع في الدنيا لتحصد في الآخرة، بتجار مع الله ووهب علمهم وأموالهم ووقتهم لخدمة عباد الله دون مقابل.

وهنا أنقل لكم قصة عن رجل بسيط كان يعيش في زاويةٍ من زوايا الحيّ القديم، لا يُعرف له اسمٌ بين الناس، ولا تُحفظ له صورةٌ في الذاكرة، يمشي كأنّه عابرٌ لا أثر له، ويبتسم كأنّه يخفي سرًّا بينه وبين السماء، هذا الرجل البسيط لم يكن غنيًّا، ولا صاحب منصب، ولا من أولئك الذين تُسلّط عليهم الأضواء ..

لكنّه كان يملك شيئًا لا يُرى: قلبًا يُحسن التجارة مع الله، في كل ليلة، وقبل أن تنام العيون، كان يحمل كيسًا صغيرًا ويمضي بصمت، يطرق أبوابًا لا يُفتح لها الباب، يترك خلفها رزقًا، ويمضي دون أن يُعرف، وإذا رأى محتاجًا، أعطاه كأنّه يأخذ منه، لا كأنّه يُعطيه.

لم يحدّث أحدًا عن نفسه، ولم ينتظر شكرًا من أحد، حتى أقرب الناس إليه كانوا يرونه رجلًا عاديًا لا أكثر، ومضت السنوات، ثم جاء اليوم الذي غاب فيه، ورحل بصمت، كما عاش بصمت ..

لكنّ الغريب أن الحيّ لم يعد كما كان، أبوابٌ اعتادت رزقًا خفيًا أغلقت على حيرة، وقلوبٌ كانت تستدفئ بعطاءٍ مجهول شعرت ببردٍ مفاجئ، بدأ الناس يسألون: من كان يفعل هذا؟

من كان يمرّ من هنا؟ من كان يخفف عنّا دون أن نراه؟

تفرّقت الحكايات واجتمعت الدموع، وعندها فقط، أدركوا أن الرجل “العادي” لم يكن عاديًا أبدًا، لم يعرفوا اسمه، لكنّهم عرفوا أثره، لم يُخلّد بصورٍ تُعلّق، بل خُلّد بدعواتٍ تُرفع، وهكذا تبيّن لهم متأخرًا، أن أعظم التجارات تلك التي تكون مع الله في الخفاء، وأن من يُخفي عمله عن الناس، يُظهره الله في الأرض بعد رحيله ..

مات الرجل الذي لم يكن أحدٌ يلاحظه، عند غيابه، لكن توقّف الخبز عن بابٍ فقير، وانقطع الدواء عن مريض، وبكت أرملةٌ دون أن تعرف من كانت تدعو له كل ليلة، فلم يكن مشهورًا، لكنّه كان حاضرًا في حياة الكثيرين دون أن يُرى، وحين رحل واكتشفوا مؤخرًا أن اليد التي كانت تُعطيهم في الخفاء، كانت أعظم من كل الأيادي التي تتباهى في العلن،  وهكذا هي التجارة مع الله، تبدأ سرًّا، وتنتهي أثرًا لا يموت.

*ترويقة:*

هناك أناس لم يعرفوا وهم أحياء.. لكن عرف أثرهم بعد موتهم، لأنهم اشتروا الدنيا بالآخرة، فأصبحوا ذكرى، وستبقى أسمائهم محفورة في القلوب، وسكتبت باحرف من ذهب، هؤلاء لا نستطيع أن نوفيهم حقهم جزاهم الله عنّا خيرًا، وتصدّقوا ما دامت الروح في الجسد، فالمال الذي تحمله في جيبك ليس لك، ‏بل لصاحب البقالة والمتاجر والمطاعم ومحطات البنزين ولورثتك، ‏أما أنت فمالك هو الذي دفعته لفقير أو محتاج أو لوقف خيري، مالك هو الذي تخبئه عند ربك.

*ومضة:*

قال صلى الله عليه وسلم: (مَنِ ‌اسْتَطَاعَ ‌مِنْكُمْ ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُ ‌خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ)، وكلمة “اسْتَطَاعَ” تشير إلى أن الخفاء ليس بالأمر الهين؛ فالميل للظهور وحب الثناء غريزة إنسانية، ومجاهدتها تحتاج إلى قوةٍ روحيةٍ كبرى، وكأنه يقول: “من قدَرَ على قهر شهوة الظهور لديه، فليفعل”.

*كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى